الغزالي
129
إحياء علوم الدين
وسئل سهل عن حسن الخلق فقال ، أدناه احتمال الأذى ، وترك المكافأة ، والرحمة للظالم ، والاستغفار له ، والشفقة عليه وقيل للأحنف بن قيس ، ممن تعلمت الحلم ؟ فقال من قيس بن عاصم . قيل وما بلغ من حلمه ؟ قال بينما هو جالس في داره ، إذ أتته جارية له بسفود عليه شواء . فسقط من يدها ، فوقع على ابن له صغير ، فمات . فدهشت الجارية . فقال لها لا روع عليك ، أنت حرة لوجه الله تعالى وقيل إن أويسا القرني ، كان إذا رآه الصبيان ، يرمونه بالحجارة . فكان يقول لهم ، يا إخوتاه ، إن كان ولا بد فارموني بالصغار ، حتى لا تدموا ساقى ، فتمنعونى عن الصلاة وشتم رجل الأحنف بن قيس ، وهو لا يجيبه . وكان يتبعه . فلما قرب من الحي وقف وقال ، إن كان قد بقي في نفسك شيء فقله ، كي لا يسمعك بعض سفهاء الحي فيؤذوك وروى أن عليا كرم الله وجهه ، دعا غلاما فلم يجبه . فدعاه ثانيا وثالثا فلم يجبه . فقام إليه ، فرآه مضطجعا . فقال أما تسمع يا غلام ؟ قال بلى . قال فما حملك على ترك إجابتي ؟ قال أمنت عقوبتك فتكاسلت . فقال امض فأنت حر لوجه الله تعالى وقالت امرأة لمالك بن دينار رحمه الله ، يا مرائي ، فقال يا هذه ، وجدت اسمى الذي أضله أهل البصرة وكان ليحيى بن زياد الحارثي غلام سوء . فقيل له لم تمسكه ؟ فقال لأتعلم الحلم عليه فهذه نفوس قد ذللت بالرياضة ، فاعتدلت أخلاقها ، ونقيت من الغش والغل والحقد بواطنها ، فأثمرت الرضا بكل ما قدره الله تعالى ، وهو منتهى حسن الخلق . فإن من يكره فعل الله تعالى ولا يرضى به ، فهو غاية سوء خلقه . فهؤلاء ظهرت العلامات على ظواهرهم كما ذكرناه . فمن لم يصادف من نفسه هذه العلامات ، فلا ينبغي أن يغتر بنفسه ، فيظن بها حسن الخلق . بل ينبغي أن يشتغل بالرياضة والمجاهدة ، إلى أن يبلغ درجة حسن الخلق ، فإنها درجة رفيعة ، لا ينالها إلا المقربون والصديقون